أخبار عاجلة

من علي الطاهر إلى صناديق الاقتراع... كيف يستثمر نتنياهو الجنوب؟

تاريخ النشر: 2026-09-07 09:00 المصدر: RSS2
على مسافة أقل من شهرين من موعد الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول المقبل، تستجمع حكومة بنيامين نتنياهو كل أوراقها السياسية والأمنية والعسكرية من ساحات عدة، في محاولة واضحة لتوظيفها في معركة انتخابية لا تبدو سهلة، خصوصاً في ظل المنافسة داخل المعسكر اليميني نفسه والحاجة إلى حشد الناخب الإسرائيلي حول عنوان الأمن والخطر الخارجيين. وفي مثل هذه المعارك، لا تعود العمليات العسكرية مجرد عمليات عسكرية، ولا تصبح الإنجازات الميدانية منفصلة عن الحسابات السياسية، بل يتحول كل موقع يتم الاستيلاء عليه وكل ضربة تُنفّذ وكل صورة انتصار تُعلن إلى مادة قابلة للاستثمار في صناديق الاقتراع.



Advertisement








ويلملم نتنياهو هذه الأوراق من ساحات عدة تمتد من غزة إلى سوريا وما يتصل بالملف الإيراني، وصولاً إلى الجبهة اللبنانية التي تبدو مرشحة لمزيد من التصعيد، ليس فقط بفعل الحسابات العسكرية الإسرائيلية، بل أيضاً بفعل محاولة تثبيت صورة حكومة قادرة على فرض الوقائع وحماية الحدود وتوسيع هامش الحركة العسكرية. ومن هنا يمكن قراءة الغارات التي توسعت في الجنوب والبقاع الغربي، وعمليات هدم المنازل والقرى، في سياق أوسع من مجرد الرد على أحداث ميدانية. فكلما اقترب الاستحقاق الانتخابي، يصبح إظهار القدرة على المبادرة العسكرية، وإبقاء الخصم تحت الضغط، وإظهار إسرائيل في موقع الطرف الذي يحدد قواعد الاشتباك، جزءاً من السردية التي يريد نتنياهو تقديمها للناخب الإسرائيلي.


وفي هذا السياق تحديداً يبرز إعلان الجيش الإسرائيلي السيطرة العملياتية على تلة علي الطاهر، الموقع الذي اكتسب أهمية عسكرية استثنائية.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا لا يتعلق فقط بما إذا كانت إسرائيل قد دخلت إلى التلة أو تمكنت من الوصول إلى أجزاء من منشآتها تحت الأرض، بل بما الذي تعنيه فعلاً عبارة "السيطرة العملياتية" التي اختارها الجيش الإسرائيلي. فهذه العبارة تختلف عن إعلان احتلال كامل ودائم للموقع، وهي تسمح عسكرياً وسياسياً بهامش واسع من الحركة، أي أن تكون إسرائيل قادرة على منع استخدام التلة عسكرياً، ومراقبة محيطها، واستهداف أي تحرك فيها، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أنها تسيطر بصورة دائمة على كل متر منها. وهذا التفصيل مهم جداً، لأن تقارير متطابقة أشارت إلى أن إسرائيل تسيطر على مداخل جنوبية للتجويف تحت التلة، فيما لا يزال مدى تقدم قواتها داخل الشبكة تحت الأرض غير واضح بصورة مستقلة، وهل تعكس البيانات العسكرية واقعاً ميدانياً ثابتاً، أم أنها تريد قبل أي شيء صناعة صورة انتصار يمكن تسويقها سياسياً؟

ولا يمكن فصل هذه الأسئلة عن أهمية علي الطاهر نفسها. فالتلة ليست مجرد نقطة جغرافية، بل جزء من منظومة مرتفعات تمنح من يسيطر عليها قدرة على المراقبة والتحكم بالنيران وقطع الحركة بين مناطق الجنوب وإقليم التفاح. ولذلك فإن معركة السيطرة عليها تحمل قيمة عسكرية وتفاوضية في آن واحد. وقد سبق أن ظهرت التلة في سياق النقاش حول مستقبل المنطقة الجنوبية وترتيبات ما بعد وقف النار، ما يجعل السيطرة عليها ورقة يمكن استخدامها في الضغط على "حزب الله" وفي المفاوضات المتعلقة بالانتشار والسلاح والانسحاب الإسرائيلي.

وفي الحساب الإسرائيلي، قد يكون هذا هو الجانب الأكثر أهمية. فنتنياهو لا يحتاج بالضرورة إلى احتلال دائم للتلة كي يستثمرها انتخابياً، إذ يكفيه أن يقول للناخب الإسرائيلي إن جيشه وصل إلى موقع استراتيجي كان يُنظر إليه على أنه معقل أساسي لـ "حزب الله"، وإن إسرائيل فرضت واقعاً أمنياً جديداً على الجانب اللبناني من الحدود. وفي بلد تتصدر فيه قضايا الأمن والحرب والقدرة على حماية الإسرائيليين المشهد الانتخابي، تصبح صورة الجنود في موقع مرتفع داخل لبنان أكثر من إنجاز ميداني؛ تصبح رسالة انتخابية كاملة.

لكن هذه الورقة تحمل في الوقت نفسه خطراً على نتنياهو. فإذا تحولت "السيطرة العملياتية" إلى وجود عسكري طويل الأمد، أو إلى معركة استنزاف جديدة، أو بقيت السيطرة موضع تشكيك، فقد ينقلب الإنجاز الدعائي إلى عبء سياسي وعسكري. فالمطلوب انتخابياً هو صورة انتصار سريعة وواضحة، لا موقع جديدا يستنزف الجنود ويحتاج إلى عمليات متواصلة لحمايته.

لهذا تبدو تلة علي الطاهر اليوم أكثر من مجرد مرتفع استراتيجي في جنوب لبنان. إنها اختبار للرواية الإسرائيلية نفسها. فهل نجحت إسرائيل فعلاً في تغيير المعادلة العسكرية في الموقع، أم أنها نجحت حتى الآن في تغيير الصورة فقط؟ وبين السيطرة على الأرض والسيطرة على وظيفتها العسكرية، وبين الإنجاز الميداني والاستثمار الانتخابي، تبقى تلة علي الطاهر ورقة مفتوحة على أكثر من احتمال. وربما يكون السؤال الأهم: هل يريد نتنياهو أن يثبت أن الجيش الإسرائيلي سيطر على تلة علي الطاهر، أم أنه يريد أن يثبت للناخب الإسرائيلي أنه قادر على السيطرة على أي موقع يختاره؟